السيد كمال الحيدري

10

روحانية العبادات (دروس في الأخلاق التعليمية والواقعية)

ومستوياتهم الثقافيّة والعلميّة ؛ فوضعتْ نصب عينيها المساحات المختلفة في استيعاب مخاطبيها وقدراتهم وعياً وفهماً ، كما حرصتْ كثيراً على عدم التخندق ، ورفع الغموض بالوضوح الممكن ، وتجاوز التصنّع بالعفويّة والاسترسال بالقدر الممكن ؛ فكانت دراسةً عمليّةً أعتقت سطورها من آفة التصنّع ؛ وهذا ما سيجده القارئ بصورةٍ عمليّةٍ ويتحسّسه بصورةٍ وجدانيّةٍ ، وهذا ما يسهم إسهاماً ملحوظاً في الخروج من دائرة الشكّ إلى دائرة اليقين ، ومن التصوّرات إلى التصديقات ، والعمل على طلب الكمال وحبّ الخير . بعبارةٍ أخرى : إنّها تتحرّك وتصوّب بوصلة القلب باتّجاه حلم الأنبياء في صناعة باطن الإنسان وتسويته حقّانيّاً ؛ فإنّ الأنبياء ينشدون تربية إنسانٍ لا تختلف خلوته عن علانيته « 1 » . وقد عرفت أنّ الهدف الذي تسير باتّجاهه هذه الدراسة هو نفس الأخلاق العملانيّة التي يُلحظ فيها البعدان الواقعيّ والتطبيقيّ ؛ ولذلك فهي دراسةٌ عملانيّةٌ تسير بقرّائها نحو أهدافٍ واضحةٍ ، مقصودةٍ بالذات ، وقابلةٍ للتطبيق ؛ وهذا ما دفعها إلى توخّي آليّة التمثيل والتقريب ، والإجمال والتفصيل ، والعرض والتذكير ، لتكون أكثر حيويّةً وتأثيراً وتعايشاً في واقع القارئ الكريم ، ولتكون أيضاً مشروع درسٍ في أروقتنا الإنسانيّة والدينيّة ؛ وهنا تكمن فلسفة الأخلاق . إنّها دروسٌ قد مزجتْ بين اللغتين المدرسيّة والمسجديّة ؛ لأنّ الحاضر فيها هو الإنسان أينما كان ، والإنسان لغةٌ جامعةٌ بين الشهادة والغيب ، بين الملك والملكوت ، بين الجسد والروح ، وبين اللفظ والمعنى . والغيب والملكوت والروح والمعنى أصواتٌ تخترق مساحات الزمان والمكان ؛ لتطلّ به آماله العريضة في السياحة على مرافئ الكمال المطلق .

--> ( 1 ) انظر : صحيفة الإمام ، للسيّد الإمام الخمينيّ ( قدس سره ) : ج 8 ، ص 416 .